عودة بعد طول إنقطاع .. أشكر من كل قلبي – علم الله – من سأل و عتب و حثّ. ثم أشكر كثيراً كثيراً من كان و راء هذا الموضوع و دفعني إليه دفعاً …
هل يستطيع أحد أن يتنبأ بالغيب !؟ لا لا أحد يمكنه ذلك و من يدعي أنه يستطيع فاحثوا في وجهه التراب و لا بأس أن تصفعوه أيضاً. غير أن هناك طريقة تجعلك تتخذ الخطوة تجاه ما أنت مقبل عليه و أنت مطمئن أنها – بإذن الله – في الإتجاه الصحيح ، بل و مفيدة لك أيضاً. هذه الطريقة تريحك و كأنك فعلاً ترى المستقبل ماثلاُ أمام عينيك فتختار منه ما تشاء .
قبل نحو أكثر من عقد من الزمان ، يا سادة يا كرام ، و تحديداً في الأسبوع الأخير من سيبتمبر أيلول أتاني عرض مغر من شركة كبيرة مرموقة لم أكن حتى أحلم به .. لاحظوا حتى الحلم لم أحلم به ، و كنت وقتها لم يتجاوز عمري الوظيفي عدة أسابيع في الشركة التي أنا بها . حرت ماذا أصنع !! هل أترك عملي و ألتحق بهذه الشركة أم أبقى !!
فاستخرت و استشرت .. نعم هذه هي الطريقة . قد تبدوا لبعضكم أمراً مباشراً لا سر فيه لكنني أشارككم جميعاً استغرابي و دهشتي كيف نغفل عنها باستمرار. فقط استشر و استخر و سترى بأم عينك كيف تتوفر لك الأدوات اللازمة لإتخاذ القرار.
أذكر أنني ، في الحالة التي أشرت إليها ، استشرت بعضاً من زملائي الجدد في وظيفتي الجديدة آنذاك و زملائي القدامى من الجامعة، و أذكر منهم أخي و صديقي و (روميتي) الدكتور أبا عبدالإله و لم يكن دكتوراً وقتها فأشاروا علي ببعض الطرق التي تعينني على إتخذا القرار و اتبعتها ، كأن أضع الوظيفتين في الميزان أمام ما أعتقد أنا ، أنا و ليس أي أحدٍ آخر ، أنه مهم لاتخاذ القرار بالبقاء أو الرحيل ، ففعلت و أعانني كثيراً على اتخاذ القرار.
ثم مع تلك الإستشارة ، و قبلها و بعدها ، كنت أستخير اللهَ رب العالمين أن ييسر لي الخيار الصحيح . و قبل أن أستخير كما هو معلوم لدى الكثير ، لا بد من إتخاذ خطوات ملموسة نحو الوجهة التي أريدها ، لا أن تكون متردداً حائراً. و في هذا تدريب لنا على ممارسة التفكير بشكل إيجابي لا سلبي و تحليل المعطيات المتوفرة من كل “وجهة” ثم أن “نعقلها” أولاً و من ثم نتوكل على الله. توكلنا على المولى عز وجل يأتي في صورة دعاء الإستخارة في كل وقت .. و نعم!! أعني كل وقت .. و أنت تقود السيارة و أنت ذاهب للمسجد و أنت راجع للبيت و أنت ساجد و أنت خالٍ مع نفسك و أنت ذاهب للبحر و أنت خلال الإجتماع… كل وقت .. لابد من الإلحاح في دعاء الإستخارة و أن تذكر الوجهة التي استقر رأيك عليها بناءاً على المعطيات التي توفرت لديك و الآراء التي وصلتك من أصدقائك الخلّص.
بعد هذا كله استقر رأيي على أن أبقى ، و أنا الآن في مكاني الحالي و أنظر إلى الماضي بكل تفاصيله و حوادثه و أعرف جازماً أنني إتخذت القرار الصحيح و الصحيح جداً و لم يكن لي أن أتخذه ما لم أفعل ما فعلت ، و ما رميت إذ رميت و لكن الله رمى.
و الله يا أحبة إن أمر الإستشارة و الإستخارة عجيب غريب .. و لا أنفك أتأمل فيه و في آثاره و لا أَضيع فرصة إلا و أحاول أن أنصح به من حولي.
آتيكم بواحدةٍ أخرى و عندي الكثير ،
قبل عدة سنوات ساءت أوضاع القسم الذي أعلم به حتى وصلت الذروة ، و قررت حينها أنني لابد أن أحزم أمتعتي و أرحل ، فلا أسواء من أن تقضي زهرة يومك و أنت تشعر بالسوء و الإساءة.
أرسلت أوراقي لشركة في الرياض – بجانب الوالدة رحمها الله رحمةً واسعة – فطلبوا مقابلتي ففعلت فأعجبتهم و أعجبت بهم، و أخبرت والدتي بنيتي ففرحت. عندما شرعت في إتخاذ الخطوات الإيجابية نحو الرحيل بدأت في إستشارة من أثق به ، و طبعاً صرت أدعو بدعاء الإستخارة في كل وقت و حين. و كنت وأنا أجهز نفسي للرحيل أشاهد الإساءات التي تأتي إليّ و إلى زملائي و أبتسم بيني و بين نفسي و كأني أقول لها – أي الإساءات و القسم و الشركة – لا بأس سنرى من يضحك أخيراً.
فجأة تغير كل شي .. نعم كل شيء و فجأة. تم تغيير الهيكل الإداري بصورة شجاعة و أتى على رأس الهرم من يجعلنا نعمل و نحن في أشد حالات الإستمتاع – حتى أذكر أنني كنت أذهب للمعمل في أيام الخميس و الجمعة في غير نوبتي – تغيرت المعادلة تماماً ، و أنا لازلت أستخير. ثم كانت خاتمة المطاف عندما هاتفت أمي و فهمت من كلامي أنه لن يكون لي منزل في الرياض و علي أن أستأجر ، عندها قالت لي أمي – نوّر الله ضريحها – جملةً كانت بمثابة الـ GAME OVER بالنسبة للعملية برمتها. ” لا و ليدي .. كان ما عندك سكن هنا فلا تجي ” هذا كان كلامها لي رحمها الله .. و بالنسبة لي كان “كش ملك”.
ما الذي حصل !!؟ إنها الإستشارة و الإستخارة يا أحبتي .. ألا تذكرون في دعاء الإستخارة قولنا “.. فاصرفه عني و اصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به ” !!! سبحان الله و صلى الله و سلم على نبي الرحمة.
على أنني أذكر نفسي و إياكم أننا عندما يطلب أحد رأينا في أمر يريد فعله فينبغي أن نساعجه على أن يرى أموراً قد يكون قج غفل عنها ، و أن نبتعد كل البعد عن إتخاذ قرارات نيابة عنه كأن نقول ” لو كنت مكانك لفعلت كذا و كذا ” . هو لم يأتي ليعرف ماذا كنت ستفعل لو كنت مكانه ! وحتى لو كان هذا غرضه فلا تعطه إياه لأنك ببساطه ستسلب منه القدرة على إتخذا القرار بنفسه .
حسناً ، و أنتم يا أحبة ؟ شاركوني و من يقرأ بتجاربكم ، ماذا صنعتكم تجاه المنعطفات الهامة في حياتكم ؟
أخوكم





