نافذة المستقبل

14 يوليو 2009

horizon

عودة بعد طول إنقطاع .. أشكر من كل قلبي – علم الله – من سأل و عتب و حثّ. ثم أشكر كثيراً كثيراً من كان و راء هذا الموضوع و دفعني إليه دفعاً …

هل يستطيع أحد أن يتنبأ بالغيب !؟ لا لا أحد يمكنه ذلك و من يدعي أنه يستطيع فاحثوا في وجهه التراب و لا بأس أن تصفعوه أيضاً. غير أن هناك طريقة تجعلك تتخذ الخطوة تجاه ما أنت مقبل عليه و أنت مطمئن أنها – بإذن الله – في الإتجاه الصحيح ، بل و مفيدة لك أيضاً. هذه الطريقة تريحك و كأنك فعلاً ترى المستقبل ماثلاُ أمام عينيك فتختار منه ما تشاء .

قبل نحو أكثر من عقد من الزمان ، يا سادة يا كرام ، و تحديداً في الأسبوع الأخير من سيبتمبر أيلول أتاني عرض مغر من شركة كبيرة مرموقة لم أكن حتى أحلم به .. لاحظوا حتى الحلم لم أحلم به ، و كنت وقتها لم يتجاوز عمري الوظيفي عدة أسابيع في الشركة التي أنا بها . حرت ماذا أصنع !! هل أترك عملي و ألتحق بهذه الشركة أم أبقى !!

فاستخرت و استشرت .. نعم هذه هي الطريقة . قد تبدوا لبعضكم أمراً مباشراً لا سر فيه لكنني أشارككم جميعاً استغرابي و دهشتي كيف نغفل عنها باستمرار. فقط استشر و استخر و سترى بأم عينك كيف تتوفر لك الأدوات اللازمة لإتخاذ القرار.

أذكر أنني ، في الحالة التي أشرت إليها ، استشرت بعضاً من زملائي الجدد في وظيفتي الجديدة آنذاك و زملائي القدامى من الجامعة، و أذكر منهم أخي و صديقي و (روميتي) الدكتور أبا عبدالإله و لم يكن دكتوراً وقتها فأشاروا علي ببعض الطرق التي تعينني على إتخذا القرار و اتبعتها ، كأن أضع الوظيفتين في الميزان أمام ما أعتقد أنا ، أنا و ليس أي أحدٍ آخر ، أنه مهم لاتخاذ القرار بالبقاء أو الرحيل ، ففعلت و أعانني كثيراً على اتخاذ القرار.

ثم مع تلك الإستشارة ، و قبلها و بعدها ، كنت أستخير اللهَ رب العالمين أن ييسر لي الخيار الصحيح . و قبل أن أستخير كما هو معلوم لدى الكثير ، لا بد من إتخاذ خطوات ملموسة نحو الوجهة التي أريدها ، لا أن تكون متردداً حائراً. و في هذا تدريب لنا على ممارسة التفكير بشكل إيجابي لا سلبي و تحليل المعطيات المتوفرة من كل “وجهة” ثم أن “نعقلها” أولاً و من ثم نتوكل على الله. توكلنا على المولى عز وجل يأتي في صورة دعاء الإستخارة في كل وقت .. و نعم!! أعني كل وقت .. و أنت تقود السيارة و أنت ذاهب للمسجد و أنت راجع للبيت و أنت ساجد و أنت خالٍ مع نفسك و أنت ذاهب للبحر و أنت خلال الإجتماع… كل وقت .. لابد من الإلحاح في دعاء الإستخارة و أن تذكر الوجهة التي استقر رأيك عليها بناءاً على المعطيات التي توفرت لديك و الآراء التي وصلتك من أصدقائك الخلّص.

بعد هذا كله استقر رأيي على أن أبقى ، و أنا الآن في مكاني الحالي و أنظر إلى الماضي بكل تفاصيله و حوادثه و أعرف جازماً أنني إتخذت القرار الصحيح و الصحيح جداً و لم يكن لي أن أتخذه ما لم أفعل ما فعلت ، و ما رميت إذ رميت و لكن الله رمى.

و الله يا أحبة إن أمر الإستشارة و الإستخارة عجيب غريب .. و لا أنفك أتأمل فيه و في آثاره و لا أَضيع فرصة إلا و أحاول أن أنصح به من حولي.

آتيكم بواحدةٍ أخرى و عندي الكثير ،

قبل عدة سنوات ساءت أوضاع القسم الذي أعلم به حتى وصلت الذروة ، و قررت حينها أنني لابد أن أحزم أمتعتي و أرحل ، فلا أسواء من أن تقضي زهرة يومك و أنت تشعر بالسوء و الإساءة.

أرسلت أوراقي لشركة في الرياض – بجانب الوالدة رحمها الله رحمةً واسعة – فطلبوا مقابلتي ففعلت فأعجبتهم و أعجبت بهم، و أخبرت والدتي بنيتي ففرحت. عندما شرعت في إتخاذ الخطوات الإيجابية نحو الرحيل بدأت في إستشارة من أثق به ، و طبعاً صرت أدعو بدعاء الإستخارة في كل وقت و حين. و كنت وأنا أجهز نفسي للرحيل أشاهد الإساءات التي تأتي إليّ و إلى زملائي و أبتسم بيني و بين نفسي و كأني أقول لها – أي الإساءات و القسم و الشركة – لا بأس سنرى من يضحك أخيراً.

فجأة تغير كل شي .. نعم كل شيء و فجأة. تم تغيير الهيكل الإداري بصورة شجاعة و أتى على رأس الهرم من يجعلنا نعمل و نحن في أشد حالات الإستمتاع – حتى أذكر أنني كنت أذهب للمعمل في أيام الخميس و الجمعة في غير نوبتي – تغيرت المعادلة تماماً ، و أنا لازلت أستخير. ثم كانت خاتمة المطاف عندما هاتفت أمي و فهمت من كلامي أنه لن يكون لي منزل في الرياض و علي أن أستأجر ، عندها قالت لي أمي – نوّر الله ضريحها – جملةً كانت بمثابة الـ GAME OVER بالنسبة للعملية برمتها. ” لا و ليدي .. كان ما عندك سكن هنا فلا تجي ” هذا كان كلامها لي رحمها الله .. و بالنسبة لي كان “كش ملك”.

ما الذي حصل !!؟ إنها الإستشارة و الإستخارة يا أحبتي .. ألا تذكرون في دعاء الإستخارة قولنا “.. فاصرفه عني و اصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به ” !!! سبحان الله و صلى الله و سلم على نبي الرحمة.

على أنني أذكر نفسي و إياكم أننا عندما يطلب أحد رأينا في أمر يريد فعله فينبغي أن نساعجه على أن يرى أموراً قد يكون قج غفل عنها ، و أن نبتعد كل البعد عن إتخاذ قرارات نيابة عنه كأن نقول ” لو كنت مكانك لفعلت كذا و كذا ” . هو لم يأتي ليعرف ماذا كنت ستفعل لو كنت مكانه ! وحتى لو كان هذا غرضه فلا تعطه إياه لأنك ببساطه ستسلب منه القدرة على إتخذا القرار بنفسه .

حسناً ، و أنتم يا أحبة ؟ شاركوني و من يقرأ بتجاربكم ، ماذا صنعتكم تجاه المنعطفات الهامة في حياتكم ؟


أخوكم

الصعود إلى السطح مرةً أخرى !

5 أبريل 2009

النفس تنفر من كل جديد ، تنظر إليه بحذر و توجس و ترقب و عامل الوقت و تركيب شخصية الإنسان و البيئة المحيطة هم ما يحدد كيفية و سرعة المرور خلال تجربة التغيير هذه . الناس يختلفون حيال هذه التجربة فمنهم من يرفض حتى التعاطي معها و منهم من يخوضها بدون حتى النظر في النتائج و ما بين هذا و ذاك أشكال و أنواع .


عند أول مقدمي للجامعة صفعتني الحياة بتغيرات قوية كادت أن تعصف بي لولا لطف الله بي و دعاء الوالدين رحمهما الله رحمةً واسعة ً و عناية أختي الكبرى بي بواسطة طرق سيأتي يوماً الحديث عنها.


أتدرون ما هي أكبر الأخطاء التي نقع فيها دوماً دون أن نشعر !!؟ هي وضع توقعاتٍ معينةٍ لأمرٍ ما في المستقبل ، نحن نسرف في هذا حتى أننا نرفع مرتبة تلك التوقعات حتى تلامس الثريا ثم لمّا نخوض الواقع نجد أننا لم نصل حتى و لا إلى ربع تلك التوقعات.


لماذا أذكر هذا !؟ و ما دخل هذا بالفول !؟


انتظروا بارك الله فيكم فأخوكم يكتب ما يتحدثه به نفسه، و نفسي حدثتني بشيء ما فأحببت الكتابة عنه فلما فتحت ملفات الذاكرة التي علاها الغبار بحثاً بين الملفات المترامية هنا و هناك بدون ترتيب أو أرشفة عن ملفٍ يحوي تجربتي الأولى مع مصارعة التغيير و دور بعض الأحبة في علاج ضيقة الصدر بطريقةٍ جميلةٍ وجدت في وسط الملف معلوماتٍ متداخلة أبت إلا أن تخرج ، فأنا سأكتب و أنتم اقرأوا فإذا أعجبكم ما قرأتم كان بها و إن لم فلوموا ذاكرتي وحدها لا أنا .


كنت و أنا في الثانوي أعتقد أن الدراسة الجامعية أكثر مرونة في الجدول و في عدد المواد من الدراسة الثانوية التي يدرس الطالب فيها زهاء ثمانية عشر مقرراً !!! عزز ذلك الإعتقاد رؤيتنا لمن سبقونا إلى الدراسة الجامعية (الحلم) في جامعة الملك عبدالعزيز و سعود و أم القرى و هم يزوروننا في المدرسة في وسط الإسبوع و حينما نسألهم عن سبب تواجدهم يجيبوننا بإجابات تزيدنا حنقاً و غيضاً من قبيل : ” ما عندنا محاضرات ” !! مجرد كلمة محاضرات تجعلنا نحن طلاب الثانوي أقل من مستواهم على اعتبار أننا نقول “حصة” .


المهم ماذا كنت أقول !؟ نعم .. هذا التصور صاحبني و أنا أذهب لأول يوم في الجامعة فهالني و أنا أذهب في السابعة صباحاً و لا أعود إلا مع مغيب الشمس !!! يا الله !! هذه صدمة و أي صدمة فليس الوضع مثل الثانوي فحسب و هو لو صار لكان لوحده مفأجأة لأننا كنا قد مللنا الدراسة في الثانوي ، بل إن هذا ضعف دوام التعليم الثانوي. كنت أتضجر من الثانوي و هي فقط إلى بعد الظهيرة بقليل ، فأصبحت في الجامعة أغدوا محملاً بالكتب و أروح محملاً بها و بالواجبات أيضاً .


كان الوضع لا يحتمل و زاده فوق ذلك البعد عن كنف العائلة فبت في ظلمات بعضها فوق بعض ، أو هكذا خيل إليّ لأن الواحد منّا إذا ضاقت عليه الدنيا من جهة ظن أنها أطبقت عليه من كل الجهات .


خلال الأسابيع الأولى ، عدت إلى غرفتي في اللاين 613 و كنت ضائق الصدر مقطوب الحاجبين لا أرى أبعد من أنفي . قابلني أحد الشباب الأفاضل و سألني عن حالي فأخبرته ما بي فعرض علي ، و نحن وقتها بين العشائين ، أن يأخذني لنأكل وجبة فول في مطعم ٍ يعرفه فأجبته على الفور أن نعم لأني كنت على وشك أن أختنق و لعله لم يعلم وقتها ، لأنني أخبرته فيما بعد ، أنه كان يسدي لي خدمةً لا تقدر بثمن.

صحبت زميلي إلى مطعم فول في الخبر حسبما أذكر و طلبنا فولاً مع شاياً منعنشاً فعادتِ لي الروح دفعةً واحدةً و تنفست أكسجيناً خلته رحل عني و لن يعود. من الصعوبةِ علي الآن أن أصف شعوري بدقة حينها ، لكنني أذكر أنني ظننت أنني أسعد إنسان على وجه الأرض. كل هذا بسبب وجبة فول و كوب شايٍ بالنعناع فقط !! لست أدري !! ربما لأن ذلك الرجل أحس بما أعانيه و خاطب روحي باسلوبٍ سلسٍ عجيب !! ربما ، لكن الذي أدريه بعد كل هذه السنوات الطوال أنه قدم خدمة لي لم و لن أنساها ، فجزاه الله عني كل خير .

الفضاء

4 أبريل 2009

الغرب ليس متقدماً عنّا بسبب أنهم دوماً على الحق ، كلا ، بل لأنهم ضمن توارثهم الثقافي يستطيعون ويمارسون التعبير برأيهم ، أياً كان رأينا تجاه ذلك الرأي ، بكل حرية و قوة .

الرحلة الأولى مع رفيق العمر

30 يناير 2009

عودة إلى حيثما وقفت عنده ..

عندما وصلنا مطار الظهران الدولي ذهبنا ، أنا و بيرت بلس ، إلى الخبر لنبيت ليلتنا في فندق اخترناه ، أو اختاره هو ،  يقع بجوار شارع السويكت الشهير. كانت الخبر أو على الأقل الطريق الذي سلكناه يجثم عليها  الظلام بسبب عمليات التوسعة في الطريق. كان طريق “الظهران” الذي يربط الظهران بالخبر و الثقبة مظلماً و زاد التشجير الذي ملأ الرصيف الذي يفصل الطريقين عن بعضهما ظلمة .

khobar


لا أستطيع وصف شعوري بدقة حيال هذه المدينة التي تطأ قدمي أرضها للمرة الأولى في حياتي و لم يدر في خلدي أنها ستكون مهوى فؤادي و سكن روحي في القادم من الأيام و الأعوام . لكنني أذكر أنني فكرت كيف لم يتحول أهلها إلى مخلوقات بحرية بخياشيم خلف آذانهم من جراء الوسط المائي الذي كنا نسير فيه .هل كانت رطوبة بالشكل الذي كنت قد خبرته في جدة في الساحل الغربي من وطننا الغالي !؟ كلا بل كان وسطاً سميكاً جداً من هواءٍ ساخنٍ مشبّعٍ بالماء .

كان الفندق ، الذي لن أقول اسمه لدواعي أمنية ، من الدرجة الثالثة أو الثانية لا أذكر و لا أعتقد أن التصنيف هنا له أي قيمة لأن الفنادق لا تلتزم به بتاتاً و لو أجرى أي واحد مقارنةً بين فندقين ذات تصنيف واحدٍ ، الأول يقع هنا و الآخر في أوربا لرأى البون الشاسع بينهما .

أذكر أنني كنت أستعمل عطر دافيدوف كوول ووتر الذي تركته في الفندق كتذكارٍ لهم أن شابين في مقتبل العمر مرا من هنا ذات يوم !! الحقيقة أنني تركته لأنه لم يبق فيه شيء ولو كان فيه قطرةً واحدة لما تركته ، كان أنا من أخذ منشفة صغيرة الحجم كتذكارٍ لي عن الفندق ، ثم رجعت للفندق و أعدت له أمانته بعد مضي ما يقارب السنتين و لازلت أذكر نظرة موظف الإستقبال الممتلئة بشتى صنوف الإستغراب.

في الصباح الباكر توجهت أنا و أبو محمد إلى حرم جامعة الملك فهد للبترول و المعادن و الذي كان اسمها من قبل جامعة البترول و المعادن ثم تم تغييره إثر زيارة كريمة قام بها المغفور له بإذن الله الملك فهد بن عبد العزيز. و بمناسبة الإسم فقد تردد بين الطلبة آنذاك أن اسم الجامعة سيتغير إلى جامعة الملك فهد للتكنولجيا لكن الاسم بعد نطق حروفه الأولى الإنجليزية (KFTU) يصبح له معنى لم يستحسنه الطلبة و يذكرهم بخذوه فغلوه (كفتو) فكفوا مشكورين عن ترديد هذه الإشاعة .

جامعة الملك فهد للبترول و المعادن لها اسلوبها الفريد و المختلف في إدارة سكن الطلاب و التعليم و صرف المكافئات و الكتب . كان وضع الطالب ، و ربما لا يزال ، في الجامعة مثار حسد من زملائه في الجامعات السعودية الأخرى. السنة الأولى التحضيرية كانت الوحيدة بين الجامعات و كانت تشكل اختباراً حقيقياً لمن هو عازمٌ فعلاً على إكمال دراسته في الجامعة .

الجامعة


الحديث عن الجامعة مثار شجن عندي لذا سأرجئه لوقتٍ لاحق لكنني فقط أقول أن مجرد المرور بجانب الجامعة الآن يجعلني أحسد الشعراء ، و لا ألوم شعراء الجاهلية عندما كانوا يبكون الاطلال ، و الجامعة ليست أطلالاً لكنني أبكي أطلال الذكريات التي تحركها مبان الجامعة التي تخطف بصرك إذا جاوزتها .

بعد أن أنهيت إجراءات تسلم السكن و ما تبقى من إجراءات القبول ، عدنا إلى فندقنا العتيد و كان الوقت قد جاوز الظهيرة بقليلٍ و كنا نتضور جوعاً . سألني أبو محمد عن رأيي في أي مكانٍ أريد أن آكل ، فقلت : المطعم البخاري !! أنا لا أدري حتى الآن ما سبب ولعنا العجيب بالرز و ملحقاته من لحم و دجاج !؟

كان و لا زال أبو محمد ، ذو القوة الثلاثية ، يتمتع ببعد نظر و روية و تروي و فكرٍ فردي مستقل . منذ أن كنا صغاراً في المرحلة الإبتدائية كان  اختلافه عنا واضحاً فقد كانت آراءه و منطقه تسبق سنه كثيراً. عندما سمعني أبو محمد و أنا أقول “المطعم البخاري” ، نظر إلى شزراً . أنا لم أعرف أن هذه النظرة تسمى شزراً إلا مؤخراً . على كل حال أبو محمد حدجني بنظرة لا أتمناها لأحد سيما و أنا أكبره بسنةٍ وهو يصر أنني أكبره بثلاثين سنة !! بعد تلك النظرة ، أردف أبو محمد قائلاً : نحن في مدينةٍ ساحلية و أنت تريد أن تأكل رز و دجاج !!!!!؟؟؟؟ يا أخي سنتناول اليوم سمك .

ذهبنا إلى مطعم مطلٍ على شارع الظهران و طلبنا هامور فيلية مع بعض الملحقات الأخرى ، و كان ذلك أول لقاءٍ لكاتب هذه الأسطر مع عائلة الهامور و الفيلية الذي لم أكن أعرف معناها حينذاك. استمرت معي هذه الطريقة طلب الأكل البحري سنواتٍ عديدة حتى عرفت أن هناك أنواعاً أخرى من المأكولات البحرية غير الهامور ، و عرفت هذا عبر قصة لا تخلوا من طرافة ، لعلي أدرجها هنا فيما بعد.

بعد غدائنا المثير هذا ، شددنا الرحال إلى خال أبي محمد ، و هو رجل كان لا يزال يحمل صرامة أهل نجد لكنها اختلطت بطيبة أهل المنطقة الشرقية ، رحمه الله رحمة واسعة . أذكر أن أبا عبدالعزيز كان يسكن الثقبة و هي و إن كان بدايتها كإحدى أحياء أرامكو شأنها في ذلك شأن جزء كبير جداً من المنطقة إلا أنها أصبحت تعرف كمدينة مستقلة و هي ليست كذلك ، بالنسبة لي على الأقل.

أذكر أننا مكثنا عند العم أبي عبدالعزيز يومين زرنا خلالها شاطيء العزيزة و شاطي نصف القمر الذي كنت أتعجب عندما أتابع البرنامج الذي كان يعده و يقدمه أحد أبناء المنطقة و كان يحمل هذا الإسم . الحقيقة أنني لم أكن أتابعه بالمعنى الدقيق لللفظ لكن يلفت انتباهي صورة القمر و نصفه غارق في الماء و كنت أظن وقتها أن القمر الذي نراه يذهب عند مدينة هذا المقدم و يغطس في البحر ، خيال غريب أليس  كذلك !؟

halfmoon


أبو محمد يحب السباحة كثيراً و أظنها تعتلي قائمة ما يحب ، بعدي أنا طبعاً . كان من الطبيعي جداً أن تجده قد أعد نفسه بملابس السباحة و نحن في الرياض عكس محدثكم. أنا أحب السباحة لكنني لا أحسنها ، أستطيع أن أن أتحرك من النقطة أ إلى النقطة ب لكن بدون أن أتنفس و بالتالي فإنني سأضطر للتوقف في مكانٍ ما للتزود بالوقود أقصد بالهواء فإذا لم يكن تحت قدمي أرضاً صلبة فإن مصيري للغرق. على مدى السنوات الطوال التي قضيناها سوياً و أبو محمد لم و لا يدّخر وسعاً في محاولة تعليمي طرق السباحة الصحيحة لكنه أخفق و أنا انتصرت عليه ، إذ لازلت حتى الساعة و أنا أظن نفسي سمكة أستطيع التنفس داخل الماء. أرجو أن لا أُضطر إلى إثبات هذا عملياً.

عندما حانت عودتنا ، و هي قد حانت مبكراً لكننا أجلناها ليومين حتى نرى سوياً المنطقة الشرقية ، اقترح أبو محمد أن نجرب قطار الشرق السريع أقصد قطار الدمام – الرياض الذي أبعد ما يكون عن السرعة . أجبته على اقتراحه هذا مثل ما قد أجبته على العديد من اقتراحاته . الحديث عن المؤسسة العامة لسكك الحديدية ذو شجون و مغص بطن و صداع رأس ، سامح الله الدكتور غازي لأنه يتحمل الجزء الرئيسي على ما وصلت له المؤسسة.

انتهت هذه الرحلة السريعة العميقة ، و الأولى لنا سوياً أنا و حبيب القلب بيرت بلس . ثم تلت هذه الرحلة رحلات و رحلات وصلنا فيها حتى أوربا. أحمد الله في سري على أن رزقني الله شخصاً بحجم أبي محمد ، رجلٌ مذهلٌ بحق ، إداري محنك ، كانت والدتي رحمة الله تعالى عليها تحبه و تحفظ له قدره.

إنتهى يا أيها الأحبة الإدراج الأول في هذا المكان الجديد ، و أزجي جزيل الشكر للصديق الحبيب ، متعه الله بالصحة و العافية ، الذي ساعدني في إنشاءه من الألف إلى الياء وهو اقترح علي أن أكمل ما بدأته عن بيرت بلس وهو ما فعلت .

أخوكم